Archive for the ‘تقارير’ Category

تقرير “المغتصبة” المصور: الإنتقام من الفقراء في احياء شمال الرياض

يناير 26, 2008

تعتبر منطقة شمال الرياض من ارقى المناطق ليس في الرياض فقط بل في المملكة، ومن ضمن تلك الاحياء الواقعة بشمال الرياض حي المرسلات وهو حي راقي نسبياً تنتشر فيه الفلل الراقية والشوارع الواسعة، المرصوفة والمشجرة. ولكن في قلب هذا الحي تقع حارة “المغتصبة” وهي حارة منسية توقف بها الزمن عند السبعينات الميلادية، إذ لاوجود لأدنى متطلبات الحياة العصرية ولاوجود للبنى التحتية ، لا شوارع مسفلته ، لا ارصفه، لا كهرباء منتظمة، ولا حتى مياه. فماهي قصة “المغتصبة” ؟

احدى الفلل الفاخرة على مدخل حي المرسلات

كنت في زيارة لأحد الاقارب في حي المرسلات، وعند الخروج من بيته مررت بجانب ذلك الحي البائس واخذت جوله فيه، تعرضت سيارتي خلالها للرشق بالحجارة من قبل بعض مراهقي الحي فنفذت بجلدي بعد ان اخذت بعض اللقطات هناك. خرجت واوقفت سيارتي على الشارع الفاصل بين “المغتصبة” وحي المرسلات ، ثم عدت مرة اخرى ماشياً على قدميَّ مع طريق آخر لداخل “المغتصبة” طمعاً في الحديث مع احد سكان الحي المسالمين 🙂

قصة هذا الحي ارويها كما رواها لي احد كبار السن الذي قابلته في المسجد الوحيد المرمم والآيل للسقوط في نفس الوقت. فبعد انتهاء صلاة العصر ، كان هذا الرجل يرمقني بين فترة واخرى بنظرات ريبة واستغراب، لا اعرف ما سب تلك النظرات لكني اعتقدت ان السبب هو غربتي عن هذا الحي، بعد ان نهض واتجه لباب المسجد،  تبعته، و خرجت وراءه ، وفي الخارج سألته بعد السلام عليه عن إسم شخص خيالي قمت بتأليفه حتى اجد مدخلاً للحديث معه، بعد اجابته بعدم معرفته وانه لايعتقد انه من سكان الحي نجحت في الإستطراد بالحديث معه مبدياً له إستغرابي الشديد من وجود مثل هذا الحي “الشعبي” وسط هذا البحر الفاخر من القصور والفلل الضخمة، فقال انها قصة طويلة. يقول الرجل ان معظم سكان هذه الحارة السعوديين سكنوا هذه المنطقة قبل اكثر من اربعين سنة، عندما كانت الرياض لا تتعدى البطحاء والشميسي، وعندما وصل العمران إلى هذه المنطقة سال لعاب بعض المسؤولين المتنفذين لهذه المنطقة و قاموا بمساومة سكانها فخرج البعض بتعويض لايكفي لشراء كيس اسمنت (كما وصفه) ورفض الكثيرين الخروج، ومنذ ذلك الوقت كما يقول الرجل بدأت حرب إنتقامية تطفيشيه من قبل البلدية وهدفها الواضح هو اخراجنا من هذا المكان، فأدعت ملكية احدى الوزارات لهذه الأرض وأحاطت الحارة بمباني حكومية، وزارة الدفاع من الشرق و وزارة البرق والبريد والهاتف (سابقاً) أوشركة الاتصالات (حالياً) من الشمال، ثم قامت البلدية بتطويق الحارة من الجهات الاخرى الغربية والجنوبية بحي مطور عرف فيما بعد بحي المرسلات، فقامت الفلل والقصور الراقية على مرمى حجر من هنا. في حين لم تقدم البلدية اي خدمة لهذه الحارة، لم تسفلت الأزقة الضيقة بل تركتها هكذا ترابية، ولم تقم بإيصال الكهرباء اسوة بحي المرسلات إلا مؤخراً وبعد شق الانفس، اما المياه فعلى عكس حي المرسلات الذي تصله المياه عن طريق الشبكة الارضية، مازلنا نقوم بإيصالها عن طريق “الوايتات”. في الشتاء تغرق البيوت جراء الأمطار وفي الصيف تنقطع الكهرباء ويتعذب سكان الحارة جراء الحر، حتى ان بعض البيوت مازالت تعيش على “مواطير الكهرب”.

لاحظ خزانات المياة بجانب البيوت، او كما يسميها اهالي الحي (التانكيات)

 

في الجهه المقابلة لـ “المغتصبة” تقف مثل هذه القصور شامخة ، شاهده على الطبقية

سألته عن سبب تسمية هذه الحارة بالمغتصبة؟  فقال انهم يدعون اننا اغتصبناها من الحكومة! والحقيقة اننا جئنا إلى هنا قبل الجميع ، ثم استطرد بعد ان اغرورقت عيناه بالدموع ان التجار يمنحون اراضي تقدر بمئات الآلاف من المترات المكعبة لتتضاعف ارصدتهم المليونية بينما يستكثرون على فقراء مثلنا هذه القطعة الصغيرة، نحن لا نريد المتاجرة بها كغيرنا، نحن نريد السكن فيها فقط،  وكان من المفترض ان نمنح هذه الارض بدلا من هذه الحرب التي يشنونها علينا.

صورة المسجد الوحيد بعد ترميمه ، لاحظ سقف المسجد (شينكو) !

سألت “الرجل” لماذا تصرون على البقاء في هذا المكان على الرغم من كل ما يحصل؟ لماذا لا تقبلون بما عرض عليكم؟ قال انه لم يعد هناك عرض الآن، العرض الوحيد هو الخروج من هذا الحي إلى الشارع وبدون مقابل؟ لايوجد تعويض لأننا لم نستطع استخراج صكوك تثبت ملكيتنا لهذه المنطقة، فأين نذهب؟ جميع سكان هذا الحي مستعدون للخروج بشرط توفير سكن مناسب، لا نريد ان نخرج للمجهول.

سألته عن سر العدوانية والعنف الذي يتصف به ابناء هذا الحي؟ قلت له عن ماتعرضت له قبل قليل من بعض المراهقين ، فضحك وقال لاتلومهم ؟ قال اننا نعيش في حرب مع البلدية، لانهم حاولوا مرارا اخراجنا بالقوة ولم يفلحوا ، فأبناء الحي ربما رشقوك اعتقادا منهم انك من البلدية !

اخبرني الرجل انه يعيش في بيت قديم جدا مكون من 3 غرف و مطبخ يعيش فيه هو وابناءه العشرة، واخبرني عن معاناته في ادخالهم المدرسة وانه اضطر لتزوير عقد ايجار من احد المكاتب العقارية لتقبل المدرسة ابناءه، اذ ان النظام لا يسمح للطلاب بالإنتساب إلى المدرسة إلا بصك ملك البيت في نفس الحي او عقد إيجار.

قلت للرجل ان اهالي الحي المجاور (المرسلات) يشتكون من كثرة السرقات و المشاكل التي يكون مصدرها هذه الحارة “المغتصبة” فقال وهو يضحك يستاهلون ، من قال لهم ان يسكنوا بجانبنا ، ونحن اقدم، والمفترض انهم يلوموا من تسبب بحالة الفقر التي نعيشها بهذا الحي بينما هم “مايدرون وين يودون فلوسهم” على حسب قوله. والحقيقة اننا كلنا متأذون من غياب الأمن في هذه الحارة.

فلل راقية ، شوارع نظيفة وفسيحة

وعلى بعد خطوات في الجهه المقابلة، بيوت آيله للسقوط، و شوارع ضيقة وترابية ! (يالله لاتعاقبنا)

خرجت من المسجد و شاهدت مجموعة من الاطفال اعمارهم تتراوح بين 8 و 12 سنة ، كلهم حفاة ، سألتهم عن سبب عدم لبسهم للأحذية فأجابني اكبرهم انهم متعودين ، بالإضافة إلى انهم لايلبسوا الاحذية إلا للمدرسة ليحافظوا عليها!سألتهم عن موقع المدرسة فأشاروا على الجهه المقابلة، حي المرسلات، قالوا ننا نذهب يوميا الى المدارس هناك على اقدامنا، سألتهم عن سبب عدم استخدامهم الباصات المدرسية؟ قالوا انها لا تستطيع الدخول هنا بسبب ضيق الطرق والأزقة.

وانا في طريقي للخروج من “المغتصبة” استوقفني احد الشباب وسألني “وش عندك هنا”؟ قلت له “آسف” دخلت بالغلط وصليت بالمسجد وانا الآن خارج، والله معاد اتعودها 🙂 قال نصيحة لا تسلك هذا الطريق ، واشار على مجموعة من الشباب واقفين نهاية الزقاق، قال شفت هؤلاء؟ ما راح تمر من عندهم الا وهم مجمركينك!! قلت معقولة؟ ويييين وينا فيه؟ وين الشرطة؟ قال انها لا تجروء على دخول هذه الحارة، اكثر الموجودين هنا بياعين و مروجي مخدرات، سعوديين واجانب وماخذين راحتهم على الآخر. سلكت طريق آخر ووصلت لسيارتي بسلام.

يسكن هذه الحارة خليط من العوائل السعودية المعدمة ، والعمالة الآسيوية غير النظامية، معظم البيوت مبنية بالطين او البلك ، وبعضها بيوت من خشب او صفيح. خرجت من هذا الحي ماسك رأسي غير مصدق ماسمعت و مارأيت، سلكت الطريق الفاصل بين البؤس و الغنى، هذا الطريق الذي يشهد على تناقض صارخ وطبقية متجذرة، الغريب ان هذه الحارة لا تتعدى مساحتها النصف كيلو متر مربع؟ فهل يعقل عجز الحكومة عن حل مشكلة هذه الحارة؟

 

الصورة المتناقضة: توقف الزمن على الجانب الأيمن (المغتصبة) واستمرار وتيرة الحياة والتقدم على الجانب الأيسر (المرسلات)

 

وعذراً على الإطالة

Advertisements